ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

مَن كَسَرَ المزهريّة؟

قضايا وآراء
|رأي
حفظ المقالة
عقيل سعيد محفوض
عقيل سعيد محفوض
الأربعاء 22 كانون الثاني 2025
الخط


يُذكِّر الوضع في الشرق الأوسط بقصة قديمة يوردها ميشيل فوكو في محاضرة له في الكوليج دي فرانس، وهي قصة «مزهريّة سواسون»، وفيها لحظتان يمكن أن توضحا جانباً من الصراعات المزمنة في الإقليم. ويتعلّق الأمر بصعوبة «مركزة» السلطة، وصعوبة سحب «حالة الاستثناء» من الحرب إلى السياسة، ثم بحالة الانتقام، إذا أمكن للحاكم وجماعته الانفراد بالحكم.


تقول الحكاية إن قائداً عسكرياً يدعى «كلوفيس»، بينما كان يقسّم الغنائم على الجند أو المقاتلين، بعد معركة انتصروا فيها، قال: «أريد هذه المزهريّة!»، فردّ عليه أحد الجنود، قائلاً: «ليس لك الحقّ في المزهريّة، فأنت يكفيك أن تكون ملكاً، وتقسّم الغنيمة على الآخرين. ليس لك حقّ الشفعة، ليس لك أي حقّ في الملكيّة المطلقة على ما تم الاستيلاء عليه بالحرب. إن ما غُنم في الحرب يجب أن يقسّم ويوزّع بين مختلف المنتصرين، والملك ليس له أي تفوّق أو رفعة». وحَدَثَ أنّ القائد أصرّ على أخذها، فيما أصرّ الجندي على رفض ذلك، وانتهى الأمر بالجندي أن ضرب المزهريّة بفأسه فحطّمها (فوكو، يجب الدفاع عن المجتمع، الترجمة العربية، ص. 158).


تَحَسَّرَ القائدُ على المزهريّة الرائعة الجمال، وغضب بشدّة لما فعله الجندي، لكنه لم يجد اللحظة مناسبةً لفعل شيء. ولم يشأ أن يشوش على لحظة الانتصار، والظهور بمظهر المتصارعين على الغنائم، وربما لم يكن في إمكانه أن يفعل شيئاً! لكن، هل ينسى الحاكم المزهريّة ويضرب صفحاً عن تحطيمها، وقد وقعت في نفسه؟ أم يشيح النظر عمّا حدث، إلى أن يقدّر الله أمراً كان مفعولاً؟ هذه هي الحلقة الأولى من قصة «مزهريّة سواسون»، وسنعود إلى الحلقة الثانية في ما بعد.


يورد فوكو القصة من أجل تفسير ظواهر في السياسة والتاريخ والقوّة والحرب، مثل كيف أنّ الجرمان «كانوا جموحين ورافضين للتنظيم الروماني»، وكيف أمكن لعدد قليل من الناس المقاتلين أن يغزوا الغال ذات الكثافة السكّانية والغنيّة. يقول فوكو: إنّ هذا مشكل إنكلترا أيضاً، إذ كيف أمكن لستين ألفاً من المحاربين النورمانديين أن «يستوطنوا إنكلترا وأن يصمدوا فيها؟». وكيف ظهر نوع من تقسيم العمل، «البعض يقاتل والبعض الآخر يخدم الأرض ويزرعها» (ص. 159).


«كان ملك الفرنجة في البداية ملكاً وقائداً عسكرياً في زمن الحرب. ولا يبدو الطابع المطلق لسلطته إلا مدّة الحرب. وبوصفه قائداً مدنيّاً، فإنه لا ينتمي بالضرورة إلى سلالة أو عائلة واحدة، فليس هناك أي حقّ في الخلافة أو الوراثة، كان يجب أن يكون منتخباً. إلا أنّ هذا الملك الذي يتميّز بهاتين الوظيفتين سيصبح، شيئاً فشيئاً، الملك الدائم، وسيورث الملك وسيجعل حكمه مطبقاً أكثر من مطلقيّة ملوك أوروبا وخاصّة المملكة الفرنسية. فكيف حدث هذا التحوّل؟» (ص. 160).


الجواب:
«كان ذلك، بفعل الغزو ذاته، وبالنجاح العسكري المحقّق، وبفعل أن جيشاً محدود العدد استوطن بلداً شاسعاً، يفترض على الأقل وفي البداية أنه كان بلداً رافضاً. وعليه، فإنه من الطبيعي أن يبقى الجيش الفرنجي، بشكل ما، على أهبّة الحرب في الغال. وأنّ الذي أصبح قائداً عسكرياً خلال الحرب، قد بقي كذلك بفعل الاحتلال قائداً عسكرياً ومدنياً في الوقت نفسه» (ص. 160).
يتعلّق الأمر، إذاً، بصعوبات ما يمكن أن يُسمّى «المرحلة الانتقالية» بين الحرب والسلم، القوّة والسياسة، التنظيم الذاتي أو الداخلي للقوّة المحاربة وتمييزها المطلوب عن التنظيم القائم في مرحلة السلم أو ما بعد الحرب. وصعوبة التسليم بالملك أو تحوّل المحاربين إلى القبول بسلطة مطلقة أو سلطة متمركزة للملك في حالات السلم، إذ كانت السلطة المطلقة في حالات الحرب أساساً.


هل يذكّر هذا بشيء؟
دعونا نقرأ القصة من منظور الإقليم. قد نجد تداخلات مثيرة للاهتمام من قبيل: كيف يمكن لمجتمعات ودول الصراع والاحتجاج والثورة والحرب أن تمركز القوّة والسلطة والدولة، بل كيف يمكن لملمة مجتمعات وبلدان مزّقتها الحروب والصراعات والتدخّلات الخارجية والولاءات والرهانات المتضاربة؟ وكيف يمكن إعادة بناء مجتمعات ودول (أو أشباه دول) في أفق الوطن والمواطنة، وليس أفق الملّة والقبيلة والطائفة والمنطقة والطبقة والتنظيم... إلخ، وهل يمكن الانتقال من الصراع والعنف والحرب إلى السياسة؟
لعلّ الأهم، وهذا من باب التأكيد، هو كيف يمكن إعادة الجماعات والتكوينات و«الِمَلل» و«النِّحَل» والسلطات والشبكات والتداخلات والتخارجات... إلخ، إلى فضاء وأفق مجتمع واحد، والانتقال من حالة الاحتراب إلى حالة السلم، ومن التذرر والانقسام إلى التماسك والوحدة، ومن ذاكرة الحرب والقتل إلى ذاكرة وفضاء وطن واحد ومجتمع واحد؟ وأين يمكن تصريف كل خبرة الحرب، وتحويل مداركها، بالسياسة، إنما لبناء مجتمعات وأوطان؟ ومن سوف يفعل ذلك، هل من يمكنه أن يفعل، وأي عوائق تحول دون ذلك، وهل تسمح فواعل الصراع (في الداخل والخارج) لأحد أن يفعل؟


ربما ذهبنا بعيداً في القراءة والأسئلة، لعل الرغبة أو الأمل هو ما يدفعنا لذلك، وقد يكون الكلام هنا قد حمّل القصة ما يريد كاتب المقال لها أن تحمله، من شواغل وتطلعات لمجتمعات وبلدان في الإقليم، مزّقتها الصراعات والحروب، بعد أن أجهدها أو هدَّها الاستبداد والفساد والفقر والتعصّب. والرغبة والأمل في أوطان آمنة ومستقرّة، وحيوات حرّية وتنمية وديموقراطية، والأمل ليس عيباً ولا حراماً!


والآن، لماذا فعل الجندي ما فعل، ولماذا لم يمكن لـ«كلوفيس» أن يفعل شيئاً حياله؟ الجواب ببساطة: لا يمكن لطرف أن يترك –بمحض إرادته وعن خالص إيمان ويقين!- المزهريّة لطرف آخر، ومن الصعب التوصّل إلى توافق أو تسوية حولها، لأن المطلوب هو «المزهريّة كلّها»، وتقسيم المزهريّة يعني كسرها، لا حلول وسطاً هنا. بل إنّ الحلول الوسط، بل مجرّد الحلول بالسياسة، هي من الأمور المعقّدة والبالغة الصعوبة، وتكاد تكون مستحيلة في بعض الأحيان، حتى لو أرادت الأطراف في الداخل ذلك، إذ ثمّة فواعل أخرى تريد المزهريّة أيضاً، وإن لم يكن، فسوف تعمل على تحطيمها بكيفية أو أخرى، مباشرة أو بشكل غير مباشر. وسوف تحاول فواعل الخارج منع فواعل الداخل (يجب التنبّه إلى أنّ بلدان الإقليم تكاد تكون لا داخل لها!) من مجرّد التوافق على كيفية التعامل بخصوصها.


لكن مهلاً، لا يجب تحميل المسؤولية للخارج وحده، وهو ليس على نمط واحد على طول الخط، وأحياناً ما يقوم الخارج بدور الضابط أو المنظّم لتقديرات فواعل الداخل واندفاعاتها غير المحسوبة. كم بلدٍ في الإقليم لديه كل عوامل الانفجار، وهو جاهز لذلك، لولا أنّ الخارج يمنع ذلك. لن يجد القارئ صعوبة في إيجاد مثال واحد أو مثالين اثنين على الأقل، يثبتان ما نقوله. وبالنسبة إليّ، أقترح من جهتي مثالين بارزين: الأول لبنان، وهو مفخّخ بالعنف والحرب الأهلية، وثمّة راغبون كثر بذلك، إلا أنّ الخارج لا يزال يمنع حدوثه، حتى الآن. الثاني هو سوريا، وثمّة تقديرات متواترة أو منتشرة في أوساط السوريين والمعنيين بسوريا، أنّ الخارج لعب دوراً ما في ضبط اندفاعات عنف داخلي كانت وشيكة أو ماثلة. وهذا باب فيه كلام كثير.


وإذ يزيد الاحتدام حول الواقع، ويتداخل مع رهانات أخرى، فقد تندفع الأمور للخروج عن النمط وكسر قواعد اللعبة، سواء تم ذلك بالقوة أو بالسياسة، وربما بكيفية «لا متوقَّعة». والواقع أنّ الصراعات أحياناً ما تتّخذ مسارات أكثر تعقيداً في مراحل ما بعد الانتصار. ثمّة تطوّرات انقساميّة، وبالطبع إكراهات التحوّل إلى السياسة، كما تتكرّر الإشارة، بكل ما في ذلك من «موازنة» و«إعادة تشكيل» للخطاب والممارسات والتحالفات والحاجة إلى شرعية الدولنة والمجتمع، وهي غير شرعية الحرب.


وثمّة تطورات نكوصية محتملة، فقد يعاد إنتاج حالة الصراع والحرب، لأسباب في الداخل والخارج. وقد يعاد تشكيل المشهد، بسبب وجود رهانات حادّة، أو نزوع للهيمنة أو التمسّك بالقوّة، أو التطلّع لقدر من العائد يفوق ما يمكن للأطراف الأخرى القبول به، أو الدخول في سياسات انتقام أو انقسام وتشعّب ومنافسة... إلخ، وهذا باب فيه كلام كثير.
وهكذا، قد يمضي وقت طويل في المشهد قبل أن يحين وقت الحلقة الثانية من قصّة فوكو عن «مزهريّة سواسون»، إذ أقام القائد العسكري «كلوفيس» عرضاً عسكرياً مركزياً كبيراً بمناسبة انتصاره واستتباب الأمر له. وعندما شاهد ذلك المقاتل الذي كسر المزهريّة، اقترب منه، وحدّق في وجهه، ثم انتزع منه فأسه، وهوى بها عليه قائلاً: «هل تذكر المزهريّة؟».
* كاتب سوري

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك